ذهب بطريرك المدينة المقدسة ثيوفيلوف الثالث يوم الخميس الموافق 15 تموز 2010 إلى مدينة مادبا الأردنية مباشرة بعد رجوعه من مؤتمر “الحوار العالمي س 1″ (World Dialogue C-1) الذي قام في العاصمة الانجليزية لندن، بمرافقة سكرتير البطريركية العام رئيس أساقفة قسطنطيني أريسترخوس، رئيس أساقفة أبيلا ذوروثيوس والارشمندريت يرونيموس.

بعد عبور جسر نهر الأردن، وصل البطريرك إلى مدينة مادبا في تمام الساعة الخامسة بعد الظهر ومن هناك توجه إلى كنيسة القديس جوارجيوس ألتابعه إلى البطريركية، حيث تقبع في الأرضية الداخلية للكنيسة العمل ألفسيفسائي العظيم “خريطة مادبا” التي نالت شهرة عالمية منذ اكتشافها قبل أكثر من قرن ويعود تاريخ الخريطة إلى نحو عام 550م، تشكل وتصور بدقه هذه الخريطة الأرض المقدسة خلال سنوات سيدنا يسوع المسيح.

في هذه المدينة تم بناء أيضا قبل 20 عام، تحت إشراف ورعاية الارشمندريت يونوكيديوس، مركز ثقافي كبير الذي يحتوي على أقسام لجميع المراحل التعليمية أي حضانة، ابتدائي، إعدادي ،ثانوي وقسم خاص لتعليم اللغة الانجليزية. تحتوي هذه المدرسة على 1860 تلميذ من الطائفة المسيحية والإسلامية وعلى 120 معلم. نخص بالذكر أن عدد المتخرجين في هذا العام كان 84 تلميذ حيث قامت المدرسة بتنظيم حفل توزيع الشهادات الذي كرمه بطريرك المدينة المقدسة بوجوده.

ابتدأ هذا الحفل الكريم بتلاوة النشيد الوطني الأردني خلال دخول الخريجين إلى قاعة الاحتفال أمام أهلهم وأقاربهم، نخص بالذكر أن من بين هؤلاء الخرجين هناك من رفع علم الأردن وعلم القبر المقدس، وبعد ذلك قام بعض ممثليهم بإلقاء كلمة باللغة العربية، اليونانية والانجليزية التي من خلالها أعربوا عن شكرهم الجزيل لكل من ساهم في مساعدتهم للوصول إلى هذه أللحظه المهمة في حياتهم من بطريرك، معلمين وأهلهم طبعا.

أما المشرف على مدارس البطريركية في الأردن فقد أكد في خطابه على أهمية وجود الكنيسة والمدارس في قلب البلدة القديمة في مادبا خلال العصور القديمة، كما وأشار إلى أن المدرسة توفر لطلابها المعلومات العلمية اللازمة من اجل الدخول لتممت دراساتهم الجامعية وذكر أيضا عن نسبة النجاح العالية التي تتمتع بها المدرسة في الامتحانات التي تقدم من قبل المجلس الثقافي البريطاني في اللغة الانجليزية وحدد أن 168 من بين أل- 210 طالب الذين عبروا بنجاح هذه الامتحانات كانوا من مدرسة مادبا.

في نهاية خطابة ذكر وشكر معلم الانجليزي السيد اليكسوولوس لدعمه ونجاحه في عمله، شكر أيضا الارشمندريت يونوكيديوس السفير القبرصي الحالي لمنحه منحتين تعليمتين لطلاب المدرسة من الحكومة القبرصية كما وشكر السفير اليوناني في الأردن السيد ايراكلياس استيرياذس لإعطائه 3 منح تعليمية إلى اليونان لطلاب المدرسة. وأيضا شكر مديرة المدرسة السيدة سهى كاخواتزيس لإعطائها المتواصل من اجل نجاح المدرسة، وفي النهاية شكر البطريرك ثيوفيلوس لوجوده الدائم بجانب المدرسة وعملها. بعد نهاية خطابه وبعد أن دعا إلى المنصة قدم البطريرك الشهادات للمتخرجين متمنيا وداعيا لهم التوفيق في مسارهم وفي حياتهم.
وفي النهاية قدم الارشمندريت ينوكيديوس للبطريرك هدية تكريمية التي كانت عبارة عن لوحة فسيفساء معبرا له عن شكره.

أما كلمة البطريرك فقد كان مضمونها كالتالي:
“نجتمع اليوم للاحتفال بهذا الانجاز الأكاديمي للذين استوفوا شروط التخرج وأهاليهم معلميهم ومعلماتهم والجنود المجهولين في إدارة مدارس بطريركية الروم الأرثوذكس ووزارة التربية والتعليم. فهذا الانجاز الأكاديمي الذي يعتبر الخطوة الأولى للمزيد من التقدم للطلاب والطالبات ما كان ممكنا لولا جهود كل من ذكرتهم. كما يود ان اعبر عن بهجتي الشخصية العميقة لمشاركتي إياكم وأهلكم ومدرستكم في حفل التخريج هذا واود ان اعبر لكم باسم البطريركية والرعية عن فخرنا بهذا الانجاز.
أيها الأخوات والإخوة، انه من الحقوق الطبيعية للإنسان، أن يعيش في وطنه كريما وان ينعم بالأمان ويتوفر له فرص تطوير اللذات، التقدم والمساهمة في النهوض بالمجتمع، لهذا نحمد الله لان دولة الأردن توفر هذا كله لأهلها في ظل القيادة الحكيمة والصالحة التي يمتاز بها صاحب ألجلاله الملك عبد الله ابن الحسين المعظم. ولكي يستطيع الإنسان أن ينال ما مبتغاة ويمارس هذه الحقوق المشروعة علية أن يتحمل مسؤولياته تجاه وطنه ومجتمعه وان يتسلح بالإيمان بالله ومعرفة حقائق العصر ومواكبه، التطور وتوظيف العلم لخدمة البشرية بعقل منفتح.
إن الرقي بالذات إن لم يكن مقرونا بالرقي بالمجتمع يفقد معناه ويفتقر إلى حالة هامشية أنانية لا تفكر إلا بنفسها، ولكن الرقي بالذات في إطار المساهمة في رقي المجتمع وتقدمه هو الهدف لكل من ينتمي إلى أرضه ووطنه وهكذا فقط يستطيع الفرد أن يكون نجما في سماء وطنه الذي ترعرع ونشا فيه، ويكون سندا لمجتمعه وعائلته، ويساهم في تعزيز فرص التقدم للأجيال التي تليه. وهكذا نضمن استمرار دوران عجلة التقدم والتطور التي يصنعها الإيمان بالله والعلم والولاء للوطن والملك.

إن التقدم العلمي ليس بالأمر المستحيل، فقد سبقنا إليه من هم ليسوا أفضل منا، لكنهم اهتدوا إلى أهميته قبلنا، وأعطوا الأولوية للازمـة، وتوفر لهم دعم المؤسسات الحكومية، المدنية والدينية في إطار رؤية إستراتيجية واحدة مبنية على الاستثمار في العقول، فكان أفضل استثمار عاد بالفائدة على المجتمع اجمع.

يأمرنا سيدنا المسيح بان نشارك العالم اجمع بمعرفتنا فيقول “انتم نور العالم فليضي نوركم هكذا قدام الناس ليروا أعمالكم الصالحة ويمجدوا أباكم الذي في السموات” والنور الذي يتحدث عنه يسوع المسيح هو نور الإيمان ونور العلم ونور المحبة والتسامح. ولكي نكون نورا للعالم، علينا أن نتسلح بالإيمان والعلم ونثابر في سبيلهما ونضعهم تحت خدمة الوطن بالأساليب التي تناسب وماهبنا وقدراتنا التي أيها الخالق عز وجل.

ومن هذا المنطق، فان دعم التعليم ،رفعة المستوى التعليمي وتوفير المقاعد الدراسية لأكبر عدد ممكن من أبناء أردننا الحبيب لهو واجب يمليه علينا إيماننا المسيحي وانتمائنا لهذه الأرض الطيبة ووفائنا للعرش الهاشمي المفدى. وإننا نتعهد أمام الله سبحانه وتعالى بحضوركم الكريم أن نستمر في بناء المدارس الأرثوذكسية وتطوير برامجنا الأكاديمية وتشجيع تعاونها العلمي، الرياضي، الثقافي والفني مع كل من يشاركنا هذه الرؤية.

وهنا لا بد إن نشير إلى التقدم الذي حصل في هذه ألمدرسه خلال الأعوام المنصرمة على كافة الأصعدة المتعلقة بالعمليتين التربوية والتعليمية مما أتاح الفرصة لطلابنا الأعزاء أن يحصلوا على نتائج مشرفة في الامتحانات العامة، مقدرا جهود الطلبة وإخلاص إدارة المدرسة معلميها ومعلماتها ونصلي من اجلهم ونطلب بركات الرب لتحل عليهم وهم يقومون بعمل بالغ القدسية في ظل جلالة الملك عبد الله ابن الحسين المعظم راعي المسيرة، قائدها وملهمها الأول.
وفي ختام كلمتي أود أن اخص بالشكر الأستاذ ادوارد سميرات مدير مدارس البطريركية لجهوده الحثيثة والمثابرة في تطوير المدارس ومتابعة شؤونها.”